محمد طاهر الكردي

479

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

لقد ولي القضاء في أيام معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنه ، سليم بن عنز التجيبي وجعل إليه القصص والقضاء جميعا . وكان سليم بن عنز أحد العباد المجتهدين ، وكان يقوم في ليلة فيبتدئ القرآن حتى يختمه ، ثم يأتي أهله ، ثم يقوم فيغتسل ، ثم يقرأ فيختم ، ثم يأتي أهله ثم يقوم فيغتسل ، ثم يقرأ فيختم ثم يأتي أهله ، وربما فعل ذلك في الليلة مرات ، فلما مات قالت امرأته : رحمك اللّه ، فو اللّه لقد كنت ترضي ربك وتسر أهلك . جاء في كتاب « حسن المحاضرة » للسيوطي ، ما يأتي : لما تولى القضاء الشيخ عز الدين بن عبد السلام في حدود سنة ( 639 ) تسع وثلاثين وستمائة هجرية ، تصدى لبيع أمراء الدولة من الأتراك ، وذكر أنه لم يثبت عنده أنهم أحرار ، وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين ، فبلغهم ذلك ، فعظم الخطب عندهم ، واجترم الأمر والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا نكاحا ، وتعطلت مصالحهم لذلك ، وكان من جملتهم نائب السلطنة ، فاستثار غضبا فاجتمعوا وأرسلوا إليه ، فقال : يعقد لكم مجلسا ، وننادي عليكم لبيت مال المسلمين فرفعوا الأمر إلى السلطان ، فبعث إليه فلم يرجع ، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة فلم يفد فيه ، فانزعج النائب ، وقال : كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض ، واللّه لأضربنه بسيفي هذا . فركب بنفسه في جماعته ، وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده ، فطرق الباب فخرج ولد الشيخ فرأى من نائب السلطنة ما رأى ، وشرح له الحال فما اكترث لذلك ، وقال : يا ولدي أبوك أقل من أن يقتل في سبيل اللّه ، ثم خرج ، فحين وقع بصره على النائب بيست يد النائب وسقط السيف منها ، وأرعدت مفاصله ، فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له وقال : يا سيدي إيش تعمل ؟ قال : أنادي عليكم وأبيعكم . قال : ففيم تصرف ثمننا ؟ قال : في مصالح المسلمين قال : من يقبضه ؟ قال : أنا فتم ما أراد ونادى على الأمراء واحدا واحدا ، وغالى في ثمنهم ، ولم يبعهم إلا بالثمن الوافي ، وقبضه وصرفه في وجوه الخير . واتفق له في ولايته القضاء عجائب وغرائب . انتهى من الكتاب المذكور .